ابن كثير
232
البداية والنهاية
فلا أنت في النوام يوما بسالم * ولا أنت في الايقاظ يقظان حازم وروى ابن أبي الدنيا بسنده عن فاطمة بنت عبد الملك قالت : انتبه عمر ذات ليلة وهو يقول : لقد رأيت الليلة رؤيا عجيبة ، فقلت : أخبرني بها ، فقال : حتى نصبح ، فلما صلى بالمسلمين دخل فسألته فقال : رأيت كأني دفعت إلى أرض خضراء واسعة كأنها بساط أخضر وإذا فيها قصر كأنه الفضة فخرج منه خارج فنادى أين محمد بن عبد الله ، أين رسول الله ؟ إذ أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى دخل ذلك القصر ، ثم خرج آخر فنادى : أين أبو بكر الصديق ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخر فنادى أين عمر بن الخطاب ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخر فنادى أين عثمان بن عفان ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخر فنادى أين علي بن أبي طالب ؟ فأقبل فدخل ، ثم خرج آخر فنادى أين عمر بن عبد العزيز ؟ فقمت فدخلت فجلست إلى جانب عمر بن الخطاب ، وهو عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأبو بكر عن يمينه ، وبينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ، فقلت : لأبي : من هذا ؟ قال : هذا عيسى بن مريم ، ثم سمعت هاتفا يهتف بيني وبينه نور لا أراه ، وهو يقول : يا عمر بن عبد العزيز تمسك بما أنت عليه ، وأثبت على ما أنت عليه ، ثم كأنه أذن لي في الخروج فخرجت ، فالتفت فإذا عثمان بن عفان وهو خارج من القصر وهو يقول : الحمد لله الذي نصرني ربي ، وإذا علي في إثره وهو يقول : الحمد لله الذي غفر لي ربي . فصل وقد ذكرنا في دلائل لنبوة الحديث الذي رواه أبو داود في سننه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها " . فقال جماعة من أهل العلم منهم أحمد بن حنبل فيما ذكره ابن الجوزي وغيره : إن عمر بن عبد العزيز كان على رأس المائة الأولى ، وإن كان هو أولى من دخل في ذلك وأحق ، لامامته وعموم ولايته ، وقيامه واجتهاده في تنفيذ الحق ، فقد كانت سيرته شبيهة بسيرة عمر بن الخطاب ، وكان كثيرا ما تشبه به . وقد جمع الشيخ أبو الفرج بن الجوزي سيرة لعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز ، وقد أفادنا سيرة عمر بن الخطاب في مجلد على حدة ، ومسنده في مجلد ضخم ، وأما سيرة عمر بن عبد العزيز فقد ذكرنا منها طرفا صالحا هنا ، يستدل به على ما لم نذكره . وقد كان عمر رحمه الله يعطي من انقطع إلى المسجد الجامع من بلده وغيرها ، للفقه ونشر العلم وتلاوة القرآن ، في كل عام من بيت المال مائة دينار ، وكان يكتب إلى عماله أن يأخذوا بالسنة ، ويقول : إن لم تصلحهم السنة فلا أصلحهم الله ، وكتب إلى سائر البلاد أن لا يركب ذمي من اليهود والنصارى وغيرهم على سرج ، ولا يلبس قباء ولا طيلسانا ولا السراويل ، ولا يمشين أحد منهم إلا بزنار من جلد ، وهو مقرون الناصية ، ومن وجد منهم في منزله سلاح أخذ منه . وكتب أيضا أن لا